ابن كثير

192

البداية والنهاية

الواسطي ، ثم البغدادي ، الكاتب الشاعر الشيعي ، فقيه الشيعة ، أقام بدمشق مدة وامتدح كثيرا من الامراء والملوك ، منهم الكامل صاحب مصر غيره ، ثم عاد إلى بغداد فكان يشغل الشيعة في مذهبهم ، وكان فاضلا ذكيا جيد النظم والنثر ، لكنه مخذول محجوب عن الحق . وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من أشعاره الدالة على غزارة مادته في العلم والذكاء رحمه الله وعفا عنه . ثم دخلت سنة اثنين وأربعين وستمائة فيها استوزر الخليفة المستعصم بالله مؤيد الدين أبا طالب محمد بن أحمد بن علي بن محمد العلقمي ( 1 ) المشؤم على نفسه ، وعلى أهل بغداد ، الذي لم يعصم المستعصم في وزارته ، فإنه لم يكن وزير صدق ولا مرضى الطريقة ، فإنه هو الذي أعان على المسلمين في قضية هولاكو وجنوده قبحه الله وإياهم ، وقد كان ابن العلقمي قبل هذه الوزارة أستاذ دار الخلافة ، فلما مات نصر الدين محمد بن الناقد استوزر ابن العلقمي وجعل مكانه في الاستادارية الشيخ محيي الدين يوسف ابن أبي الفرج بن الجوزي ، وكان من خيار الناس ، وهو واقف الجوزية التي بالنشابين بدمشق تقبل الله منه . وفيها جعل الشيخ شمس الدين علي بن محمد بن الحسين بن النيار مؤدب الخليفة شيخ الشيوخ ببغداد ، وخلع عليه ، ووكل الخليفة عبد الوهاب بن المطهر وكالة مطلقة ، وخلع عليه . وفيها كانت وقعة عظيمة بين الخوارزمية الذين كان الصالح أيوب صاحب مصر استقدمهم ليستنجد بهم على الصالح إسماعيل أبي الحسن صاحب دمشق ، فنزلوا على غزة وأرسل إليهم الصالح أيوب الخلع والأموال والأقمشة والعساكر ، فاتفق الصالح إسماعيل والناصر داود صاحب الكرك ، والمنصور صاحب حمص ، مع الفرنج ( 2 ) واقتتلوا مع الخوارزمية قتالا شديدا ، فهزمتهم الخوارزمية كسرة منكرة فظيعة ، هزمت الفرنج بصلبانها وراياتها العالية ، على رؤوس أطلاب المسلمين ، وكانت كؤوس الخمر دائرة بين الجيوش فنابت كؤوس المنون عن كؤوس الزرجون ، فقتل من الفرنج في يوم واحد زيادة عن ثلاثين ألف ، وأسروا جماعة من ملوكهم وقسوسهم وأساقفتهم ، وخلقا من أمراء المسلمين ، وبعثوا بالأسارى إلى الصالح أيوب بمصر ، وكان يومئذ يوما مشهودا وأمرا محمودا ، ولله الحمد . وقد قال بعض أمراء المسلمين قد علمت أنا لما وقفنا تحت صلبان الفرنج أنا لا نفلح . وغنمت الخوارزمية من الفرنج ومن كان معهم شيئا كثيرا ، وأرسل الصالح أيوب إلى دمشق ليحاصرها ، فحصنها الصالح إسماعيل وخرب من حولها رباعا كثيرة ،

--> ( 1 ) جاء في الفخري ص 337 : وقيل لجده العلقمي لأنه حفر النهر المسمى بالعلقمي . ( 2 ) كان الصالح إسماعيل اتفق سنة 641 مع الفرنج - لما علم باستدعاء الصالح أيوب للخوارزمية - لمساعدته في الاستيلاء على دمشق مقابل تسليمهم القدس بما فيها من المزارات ، وعسقلان وطبريا فعمر الإفرنج قلعتيهما ( انظر تاريخ أبي الفداء 3 / 172 وابن خلدون 5 / 358 ) .